الفصل الحادي عشر /المقدمة في عشرين آية "1- 20"

المقدمة في عشرين آية "1- 20"

اقرأ المزيد

(الم ﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ ب ِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّـهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾) البقرة :1 - 20

  • إيقاظ الأسماع وتوجيه للقلوب:

    بدئت السورة الكريمة أحرف مقطعة لا عهد للعرب بتصدير مثلها في الإنشاء والإنشاد؛ وإنما عهدوها من القراء الكاتبين في بدء تعليمهم النهجي للناشئين "أ. ل. م".

    ومهما يكن من أمر المعنى الذي قصد إليه بهذه الأحرف، والسر الذي وضعت هنا من أجله، فإن تقديمها بين يدي الخطاب مع غرابة نظمها وموقعها من شأنه أن يوقظ الأسماع ويوجه القلوب لما يلي هذا الأسلوب الغريب.

  • التنويه بالمقصود:

    وألحقت بهذه الأحرف الثلاثة جمل ثلاث:

    أما أولاهن فإعلان للسامع أن ما سيتلى عليه الآن هو خير كتاب أخرج للناس، وأنه ليس في الوجود ما يصلح أن يسمى كتابا بالقياس إليه:

    {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ}.

    وأما الأخريان فيدعمان هذا الحكم بالحجة والبرهان. أليس تفاضل الكتب إنما هو بمقياس ما تحويه من حق لا يشوبه باطل. أو ليس كمال هذا الحق أن يكون نيرا لا يثير شبهة.

    أو ليس أكمل الكمال بعد هذا وذاك أن يكون ذلك الحق مما تمس إليه حاجة الناس في إنارة السبيل وإقامة الدليل إذا ما اشتبهت عليهم السبل وتفرقت المسالك. فذلكم القرآن هو جماع هذه الفضائل الثلاث:

فهو الحق المحض الذي لا باطل فيه، بل هو الحق اللائح الذي لا شبهة باطل فيه، ثم هو بعد ذلك الهدى المبين الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور:

{لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ } .

هكذا كان موقع هذه الجمل الثلاث بعد تلك الأحرف الثلاثة موقع التنويه بالمقصود بعد التنبيه إليه.

وكذلك المربي الصالح "يبدأ" خطابه الجليل الشأن باستنصات الناس واسترعاء أسماعهم "ويثني" باتخاذ الوسائل المشوقة التي تثير فهم بواعث الإقبال على طلب الاستفادة.

  • بيان أثر القرآن في المؤمنين:

    أول ما تتشوف إليه النفس بعد سماع هذا الوصف البليغ للقرآن وهدايته هو تعرف الأمر الذي سيحدثه في الناس ومقدار إجابتهم لدعوته.

    فمست الحاجة إلى أن ينساق الحديث لبيان هذه الحقيقة العجيبة، وهي انقسام الناس في شأنه إلى فئات ثلاث: فئة تؤمن به، وأخرى كافرة، وثالثة مترددة حائرة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

    فكيف ترى ينتقل من الحديث عن الكتاب إلى الحديث عن الناس؟ أيجعل الحديث عنهم حديثا مؤتنفا ائتنافا بحتا؟ .. أم يسوقه مساق الاستدراك على ما قبله؟ ..

شيء من ذلك لم يكن. ولكن انظر إليه وقد مزج الحديثين مزجا عجيبا يدع أدق الناس فطنة لتصريف وجوه القول لا يفطن لما حدث بينهما من الانتقال.

ذلك أنه في أول الأمر لم يعرض لذكر الطائفتين الأخيرتين، بل أعرض عنهما، كأن القرآن لم ينزل من أجلهما، ثم عمد إلى الطائفة الأولى فجعل الحديث عنها من تمام الحديث عن هداية القرآن نفسه قائلا:

إنه (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ)

فكانت هذه "اللام الجارة" هي المعبرة السرية التي انزلق عليها الكلام وانصب انصبابا واحدا إلى نهاية الحديث عن المؤمنين.

  • الحديث عن الكافرين:

    ولقد كان قصر الانتفاع بهداية القرآن على هذه الطائفة وحدها بعد وصف القرآن بأنه الحق الواضح الذي لا ريبة فيه -حريا في بادئ الرأي أن يعد من المفارقات التي تثير في نفس السامع أشد العجب، إذ كيف تكون الحقائق القرآنية بهذه المرتبة من الوضوح ثم لا تنفذ إلى قلب كل من يسمعها؟!

    ومن جهة أخرى فقج كان موقف هذا النبي الرحيم -صلى الله عليه وسلم- في جده البالغ في دعوة أمته، وحرصه الشديد على هدايتهم، مصورا له في عين من يراه بصورة الطامع في إيمان الناس أجمعين،

    الظان أن هذه الأمنية ستصبح في متناول يده متى أخذ في أسبابها العادية، كأنه يرى أن ليس بينهم وبين هذه الهداية إلا أن يصل صوت القرآن إلى آذانهم إذا هم مسلمون.

    ذلك مع أن القرآن يكاد يحدد الآن مهمته ويقول: إن الذي سينتفع بهداه إنما هم المتقون. فكان هذا التحديد مظنة لأن يبتهل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه قائلا: سبحانك اللهم، ولم لا يهتدي به الناس أجمعون؟!

    وجب إذا أن تقرر الحقيقة بصورة حاسمة لكل طماعية وتردد، مريحة للنفس من طلب ما لا سبيل إليه، وأن تبين مع ذلك الموانع الطبيعية من عموم هداية القرآن بأسلوب ينزه القرآن نفسه عن شائبة القصور،

    ويرد النقص إلى قابلية القابل لا إلى فاعلية الفاعل، وهل يغض من مهارة الطبيب أن يعرض المريض عن تناول الدواء منه فيموت بجهله؟ وهل يضير الشمس ألا ينتفع بنورها العمي أو المتعامون؟

    {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

هكذا انتقل الحديث عن المؤمنين الذين سبقت لهم الحسنى، إلى الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب، لا على وجه اقتران الحديثين في القصد من أول الأمر، إذا لعطف أحدهما على الآخر،

بل على وجه يبني فيه بعض الكلام على بعض، إجابة لهذا السؤال الذي نطقت به الحال، وإزالة لذلك التعجب الذي أثاره سابق المقال. وهذا هو ما يسميه علماء البلاغة بالاستئناف البياني.

  • الحديث عن المنافقين:

    وجرى الحديث عن هؤلاء إلى نهايته، فانضم الشكل إلى شكله، وعطفت الطائفة الثالثة على أختها؛ لأنهم في التجافي عن الهدى مشتركون، تتشابه قلوبهم وإن اختلفت ألسنتهم:

    {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} .

  • التقابل في الحديث عن الطوائف الثلاثة "المؤمنين، الكافرين، المنافقين":

    وارجع الآن قليلا إلى نظام الأحاديث عن الطوائف الثلاثة، لترى كيف تقابلت أوضاعها أتم التقابل، فقد اشتمل الحديث في كل طائفة على ثلاثة عناصر مرتبة على هذا النمط: وصف الحقيقة الواقعة، فبيان السبب فيها، فالإخبار عن نتيجتها المتنظرة.

    "فحقيقة" الطائفة الأولى أنهم قوم حصلوا فضيلة التقوى بركنيها العلمي والعملي. "سبب ذلك" استمساكهم بالهدى وإمدادهم بالتوفيق من ربهم "ومآل أمرهم الفوز والفلاح".

    "وحقيقة" الطائفة الثانية أنهم مجردون من أساس التقوى وهو الإيمان، وأنهم مصرون على ذلك إصرارا لا ينفع معه إنذار.

    "والسبب" عدم انتفاعهم بما وهبهم الله من وسائل العلم، فلهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها. "وعاقبة أمرهم العذاب العظيم".

    "وحقيقة" الطائفة الثالثة صفة مركبة من ظاهرة خير وباطن سوء. فهم يقولون بألسنتهم: إنهم مؤمنون، وليس في قلوبهم من الإيمان شيء.

    ولكل من الوصفين "سبب" و"جزاء" أما دعواهم الإيمان فسببها قصد المخادعة، وجزاء الخداع عائد إليهم. وأما إسرارهم الكفر فسببه مرض قلوبهم، وجزاؤه زيادة المرض والعذاب الأليم.

    وكما بين في الطائفة الثانية أنها بلغت من الإصرار والغباوة مبلغا لا يجدي معه الإنذار، بين في الطائفة الثالثة أنها بلغت من الغرور والجهالة المركبة مبلغا لا ينفع فيه نصح الناصحين.

. فهم المفسدون ويزعمون أنهم المصلحون، وهم السفهاء ويزعمون أنهم الراشدون. ومن لك بشفاء سقيم يعتقد أنه سليم؟

ثم كما ختم الكلام في شأن الطائفة الأولى بأن سجل لهم وصف الهدى والفلاح، ختم الكلام في شأن الطائفتين الأخريين بأن سجل عليهما1 وصف الضلالة والخسران.

  • التمثيل القرآني لطائفتي الكافرين والمنافقين:

    على أن هذه الأوصاف التحقيقية للطائفتين لم تكن وحدها لتشفي النفس من العجب في أمرهم، فالعهد بالناس أنهم إنما يختلفون في الأمور الغامضة لا في الحقائق البينة،

    فاختلاف هؤلاء في شأن القرآن على وضوحه يعد شاذا عن العادات الجارية، محتاجا إلى وصف تمثيلي يقربه من المشاهد المحس، حتى يطمئن القلب إلى إمكانه. لذلك ضرب الله لكلتا2 الطائفتين مثلا يناسبها.

    فضرب مثلا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فقام

    1 مضى جمهور المفسرين على أن قوله تعالى:

    {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ }

    مشار به إلى أقرب الطائفتين في الذكر، وهم المنافقون ولكن المروي عن ابن عباس وابن مسعود -رضي الله عنهما- أنه راجع إلى الكفار مطلقا، وهذا هو الذي عولنا عليه؛ لأنه أقعد في المعنى وفي النظم؛

أما في المعنى فلأنه لا واسطة بين الهدى والضلالة

{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ } .

وإذا كانوا كلهم عن الهدى ناكبين، وفي الضلالة مشتركين، فتخصيص الإشارة بالبعض مع إمكان رجوعها إلى الجميع صريحا تخصيص بغير موجب.

وأما في النظم فلأن تناولها للطائفتين يتم به حسن المقابلة بين الإشارتين في قوله:

{أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى} :وقوله {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ}

ثم به يتم جمال الصنعة في تفريق الأقسام ثم جمعها، ثم تفريقها ثم جمعها. فقد رأيته يفرق الطائفتين في أوصافها الخاصة، ثم يجمعهما في هذا الوصف المشترك.

وستراه يعود إلى تفريقهما في ضرب الأمثال، ثم يجمهما مرة أخرى مع سائر العالم في النداء الآتي:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } .

2 لعلك ترى هنا شيئا من المخالفة لكلام المفسرين، إذ جعلوا المثلين كليهما راجعين إلى المنافقين خاصة، وجعلناهما موزعين على الطائفتين، نشرا على ترتيب اللف.

ولكنك إذا رجعت بنفسك إلى أجزاء المثلين سترى معنا أن المثل الأول ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين، وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده.

فهؤلاء القوم الذين

(ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾)

أليسوا هم أولئك القوم الذين

{ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ} .

وهذه الظلمات الثابتة المستقرة التي ليس فيها بصيص من نور وليس فيها تقلب ولا تذبذب، هل ترى فيها تصويرا لألوان النفاق ووجوهه المختلفة باختلاف الأحوال؟ إنك لا تجد هذه الصورة إلا في المثل الثاني حيث يتعاقب فيه الظلام والنور، الوقوف والمسير.

وكذلك ترى في المثل الثاني قوما لهم أسماع وأبصار لم يذهب الله بها ولو شاء لذهب، وهذا مناسب لقوله في المنافقين: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } فوصفهم بالمرض ولم= فيهم رجل استوقد لهم نارا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر،

بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجئة. فذلك مثل النور الذي طلع به محمد1 -صلى الله عليه وسلم- في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين

=يصفهم بالختم الكلي على القلوب والحواس.

نعم، يمكن تقرير كلام المفسرين على وجه صحيح إذا ضممنا إليه ضميمة. ذلك بأن نقول: إن المثل الأول يصور حال المنافقين في بواطنهم، وهو الأمر الذي يشاركون فيه سائر الكفار. والمثل الثاني يصور حالهم في ظواهرهم، وهو الأمر الذي يتقلب عندهم بتقلب الدواعي؛ لأن تقلبهم إنما هو الظاهر لا الباطن.

غير أن هذه الدعوى أيضا محل نظر، إذ ما يدرينا، لعل نوع الكفر الذي يبطنه المنافق نوع خاص يتقلب فيه قلبه بالشك والتردد،

وأن هذا الاضطراب الذي نشاهده على حركاته الظاهرة في أقواله وأعماله إنما هو صورة الاضطراب النفسي الذي يحس به هو في دخيلته بخلاف النوع الأول، وهو كفر المجاهرين، فهو طبيعة واحدة مصممة، حسبما تشهد به وحدة آثاره.

1 وهذا أيضا غير ما ذكره المفسرون فقد جعلوا مستوقد النار مثلا "للمنافق الذي تكلف النطق بكلمة الإسلام خداعا، فلم ينتفع بها إلا يسيرا في دنياه، ثم قضى أجله وأفضى إلى عمله، فإذا هو في الظلمات والخسران المبين".

هكذا اعتبروا الضمائر المجموعة في قوله: { ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْم....} إلخ, عائده إلى { الَّذِي اسْتَوْقَدَ} بمراعاة معناه، بعد أن عادت إلى الضمائر المفردة بمراعاة لفظه.

ونحن لا نزعم بطلان هذا التأويل، ولا ننكر إساغة اللغة له. ولكن الوجه الذي عرضناه ها هنا في شرح المثل يجمع إلى صحته العقلية واللغوية أنه مستنبط من النظم القرآني نفسه.

ونحسبه مع ذلك أقرب لأسلوب القرآن وأليق بجزالته. فإن لم يكنه فليكن أحد الوجوه التي يحتملها القرآن.

أما كيف استنبطنا هذا المعنى من النظم فإليك بيانه:

لقد نظرنا إلى المثلين فرأينا الأسلوب فيهما يتجه اتجاها متوازيا؛ إذ وجدنا في صدر كل منهما حديثا عن شيء مفرد، وفي عجز كل منهما حديثا عن جماعة.

ثم نظرنا إلى المثل الثاني فرأينا الضمير المجموع فيه ليس راجعا إلى مرجع الضمير المفرد، بل هو راجع باتفاق المفسرين إلى أمر مفهوم من فحوى الكلام هو القوم الذين نزل عليهم الصيب "ومعلوم أن هذه التشبيهات المركبة التي ينظر فيها إلى مقابلة المجموع بالمجموع لا يعني فيها بالمقابلة اللفظية الأحادية لأبين ما قبل الكاف وما يليها على الترتيب:

بل ربما يكون الاختلاف بينهما كما هنا أمرا مطلوبا للبلغاء في وجيز الكلام يقصدون به التنبيه من أول الأمر على ما سيحدثون في التشبيه من طي وتقديم وتأخير، والتنبيه على أن المشبه به ليس هو مدخول الكاف وحده، وإنما هو قصة متعددة الفصول، هذا المدخول أحد فصولها.

ذلك ليبقى السامع محتفظا بانتباهه وتشوقه إلى تمام الكلام الذي به يظهر له التطابق بين طرفي التشبيه، وبه يمكنه رد كل شيء إلى شبهه -هذا الضرب في أسلوب القرآن كثير، منه قوله تعالى

{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} البقرة: ١٧١

وقوله:

{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ } يونس: ٢٤

وقوله:

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ } البقرة: ١٩

الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا، بل نكسوا على رءوسهم ولم يفتحوا له عينا بل خروا عليه صما وعميانا:

{ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ } فصلت: ٤٤

=حينئذ عدنا إلى المثل الأول فقلنا: هل عسى أن يكون هو أيضا سائرا على هذا النهج حسبما يرشد إليه تعادل الأسلوبين؟ ..

فيكون الضمير المجموع فيه ليس عائدا إلى "الذي استوقد نارا" بل إلى القوم الذي استوقدت النار من أجلهم، أليس السامع متى انتهى إلى كلمة "ما حوله" يزداد شعورا بأن هنالك قوما مشبها بهم؟

فسرعان ما ينتقل الذهن من المكان إلى السكان.. هذه الخطوة الأولى لم تلبث أن لحقتها الخطوات التالية:

وهي أن النور الذي ذهب الله به إذا كان هو نور أولئك القوم، ولم يكن هو ضوء النار التي استوقدها المستوقد فتلك النار إذا لم تطفأ ولم يذهب ضوءها فما يكون مضرب المثل بهذا الضياء الذي بقي هو وذهب غيره؟ ..

ألا يكون هو ضوء الهداية الحقيقية التي أبى الله إلا أن يتمها ولو كره الكافرون. ثم من يكون مضرب المثل بمستوقد النار؟ ... ألا يكون هو الهادي الأعظم صلوات الله عليه..

فقد استوقد شعلة الهداية الإسلامية، أي عالج إيقادها أمام زوابع من الفتن وأعاصير من المقاومات العنيفة، فلما أوقدها وأضاءت ما حوله رغمت بها أنوف أعداء الحق، الذين أكل الجهل والحسد قلوبهم، فانطمست بصائرهم، وكانوا كلما ازدادت هي تألفا وإشراقا، ازدادوا هم ظلمة وانتكاسا.

عند هذا الحد تمت أركان التشبيه، واستقام هذا المعنى الجديد على أنه احتمال يمكن فهم الآية عليه بحسب اللغة والعقل وبحسب معهود القرآن أيضا في ضربه النور والضياء مثلا للهدى والإيمان، والظلمة والعمى مثلا للجهل والكفران،

بيد أن اتفاق التفاسير التي بأيدينا على جعل مستوقد النار مثلا للمنافقين جعلنا نتهيب تأدبا أن نضربه مثلا للرسول الأمين من غير شاهد يؤيد ذلك من الكتاب أو السنة.. وما برحت هذه المخالفة التي تحيك في الصدر وتبعد اطمئنان القلب إلى هذا المعنى حتى ظفرنا بشاهده الصريح الصحيح في حديث النبي عن نفسه، حيث يقول -صلى الله عليه وسلم:

"إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" رواه الشيخان.

نعم التمثيل به في الحديث من وجه غير الوجه الذي في الآية، ولكن هذا لا يضير، إذ المثل الواحد يضرب لمعان متعددة باعتبارات مختلفة، والذي يعنينا إنما هو وقوع التمثيل به للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم، وهو صريح في صدر الحديث كما نرى. فبذلك ازدادت النفس ركونا إلى صحته.

وبعد فما بنا -علم الله- حب الخلاف ولا شهوة الإغراب، ولكنها أمانة العلم والنصيحة لكتاب الله تعالى حملتنا على أن نقول فيه أحسن ما نعلم، ثم شجعتنا على أن نسجل بالقلم هذا الذي قلناه بالفم،

لنعرضه في الطرس على أنظار القارئين، كما عرضناه في الدرس على أسماع الطالبين لعل هؤلاء واجدون فيه من مواضع النقد والتمحيص ما لم يجده أولئك.

وهذا الباب من أبواب البحث والاستنباط الذي لا يمس أصلا من أصول الدين ولا يحل حراما أو يحرم حلالا لن يزال مفتوحا لكل مسلم أعطاه الله فهما في كتابه، على شريطة القصد والأناة في سير العقل، ومع الاستضاءة في هذا السير بمصباحين من اللغة والشرع، على الحد الذي وصفنا، والمنهج الذي رسمنا. وبالله التوفيق.

وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جاءتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعود وبروق. فأما الغيث فلم يلقوا له بالا، ولم ينالوا منه نيلا. فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة، ولا سقوا به زرعا ولا ضرعا.

وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم؛ ولذلك جعلوا يترصدونها: ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها: سيرا تارة، ووقوفا تارة، واختفاء تارة أخرى.

ذلك مثل القرآن الذي أنزله الله غيثا تحيا به القلوب، وثنبت به ثمرات الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة؛ ثم ابتلى فيه المؤمنين بالجهاد والصبر وجعل لهم الأيام دولا بين السلم والحرب، وبين الغلب والنصر.

فما كان حظ بعض الناس منهم إلا أن لبسوا شعاره على جلودهم دون أن يشربوا حبه في قلوبهم أو يتذوقوا ما فيه من غذاء الأرواح والعقول، بل أهمتهم أنفسهم وشغلتهم حظوظهم العاجلة؛

فحصروا كل تفكيرهم فيما قد يحيط به من مغانم يمشون إليها، أو مغارم يتقونها، أو مآزق تقفهم منه موقف الروية والانتظار، وهكذا ساروا في التدين به سيرا متعرجا متقلبا مبنيا على قاعدة الربح والخسر، والسلامة الدنيوية.

فكانوا إذا رأوا عرضا قريبا وسفرا قاصدا وبرقت لهم "بروق" الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنبا إلى جنب، وإذا دارت رحى الحرب وانقضت "صواعقها" منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين:

{إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} الأحزاب: ١٣

أو رجعوا من بعض الطريق قائلين:

{لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ } آل عمران: ١٦٧

حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة بل اشتبهت عليهم الأمور وتلبد الجو بالغيوم، فهنالك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك

{فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّـهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ } النساء: ١٤١

(وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا ﴿٧٢﴾ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّـهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧٣﴾ ) النساء: 72- 73

ذلك أبدا دأب المنافقين في كل أمرهم؛ إن توقعوا ربحا عاجلا التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء من المكروه.

وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدا لا إلا هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولي وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم.

وليس يبالي حين يقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعه هنا تمت المقدمة بعد أن وصفت القرآن بما هو أهله، ووصفت متبعيه ومخالفيه كلا بما يستحقه.

ولا مرية أن وصف هذه الطوائف جميعها راجع في المآل إلى الثناء على القرآن؛ فإن الشيء الذي يكون متبعوه هم أهل الهدى والفلاح، ومخالفوه هم أهل الضلالة والخسر لا يكون إلا حقا واضحا لا ريب فيه.

فما هو ذلك الحق الذي لا يتبعه إلا مهتد مفلح، ولا يعرض عنه إلا ضال خاسر؟ بل ما هو ذلك الحق الذي ضربت له الأمثال بالضياء الباهر والغيث الكثير؟

لا شك أن هذا كله تشويق أي تشويق لسماع الحقائق التي يدعو القرآن الناس

إليها. فانظر على أي نحو ساق بيانها. لقد كان ظاهر السياق يقضي بأن يقال:

إن هذه الحقائق هي أن يعبدوا ربهم وحده ويؤمنوا بكتابه ونبيه "إلخ" جريا على أسلوب الغيبة الذي جرى عليه في وصف الكتاب، وفي وصف الناس، ولكنه حول مجرى الحديث من الأخبار والغيبة إلى النداء والمخاطبة قائلا:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُم..} البقرة: ٢١

أتعرف شيئا من سر هذا التحويل؟ إن ذلك الوصف الدقيق الذي وصف القرآن به الطوائف الثلاث:

"متقين وكافرين ومخادعين" قد نقلهم عند السامع من حال إلى حال، فبعد أن كانوا غيبا في مبدأ الحديث عنهم أصبحوا الآن بعد ذلك الوصف الشافي حاضرين في خيال السامع كأنهم رأي عين، وفي مكان ينادون منه.

فاستحقوا أن يوجه الحديث إليهم كما يوجه إلى الحاضرين في الحس والمشاهدة. هذا من الناحية العامة.

وأما من الناحية الأخرى فإن هذه الأمثال البليغة التي ضربت في شأن المعرضين خاصة قد أبرزتهم أمام السامع في صورة محزنة تبعث في نفسه أقوى البواعث لنصحهم وتحذيرهم.

حتى إنه لا يشفي صدره إلا أن يناديهم أو يسمع من يناديهم: أن افتحوا أعينكم أيها القوم وتعالوا إلى طريق النجاة. وهكذا استعدت النفس أتم استعداد لسماع هذا النداء.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ }

الآيات إلى آخر المقصد الأول.

القسم الخامس

المقصد الأول من مقاصد السورة

المطالب الثلاثة هي الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية، تراها قد بسطت مرتبة على ترتيبها الطبيعي.

القسم الخامس